ثلاثة مخرجين
وحكم الأب
نقد جندري وسينمائي

لقدس، هذه المدينة المقسومة حيث يقوم متعصبون بإتلاف وجوه نساء على لافتات شوارع وتقوم مجموعة شابة من الناشطات باسم "لوطم" بإشعال موجة احتجاج قطرية ضد العنف في العائلة، من الغريب أن أكتب فيها عن الجندر والسينما.

 

 

ثلاثة من بين الأفلام البارزة لسنة 2018 تكشف كيف يسيطر حكم الأب على خلقتنا وسجيتنا وكيف يمسنا من الداخل. هذه الأفلام التي تم اخراجها على يد ثلاثة مخرجين رجال نشأوا في أواسط وفي أواخر القرن العشرين تتطرق الى المخاطر الكامنة في حكم الأب وكيف تنعكس هذه المخاطر من خلال الأبطال الذين يخضعون للتحكم على يد النخب الذكورية.

 

ألفونسو كوارون، يصطاد في فيلمه "روما" اللحظة التي يقوم بها والده بهجران العائلة البرجوازية في السبعينات في مكسيكو سيتي، من وجهة نظر بطلة طفولته حاضنته كليو التي كانت "أم ثالثة" بالنسبة له وكانت تنظف براز كلب العائلة.

الفيلم "كوستادي" (العهدة) للمخرج كسابييه لغران الفرنسي يحكي من وجهة نظر الابن جوليان، فتى صغير، عن أزمة عائلية حيث يقوم الأب المطلق بملاحقة ابنه انتقاماً من طليقته والدة جوليان. يُعتبر الفيلم فيلم اثارة جندري مرهق للأعصاب يتناول كرامة الرجل الضائعة وتدور أحداثه في فرنسا القرن الـ 21.

 

فيلم "الأشقاء سيسترز" للمخرج الفرنسي جاك أوديار هو معالجة سينمائية لكتاب باتريك دي فيت الكندي. هذا الفيلم والذي يعتبر فيلم رعاة بقر كوميدي كئيب تدور أحداثه  في القرن الـ 19 يحكي قصة شقيقين قاتلين محترفين كانا قد تعرضا للتنكيل من قبل والدهما. خلال رحلة تجارية متواصلة يتخلصان من رئيس طاغٍ يتحكم بحياتهما وعلى الطريق يكتشف أحد الأخوين فرشاة الأسنان وربما يكتشف معها هوية ذكورية جديدة.

 

 

واذن، ثلاثة مخرجين معاصرين، ألفونسو كوارون، كسابييه لغران وجاك أوديار يحكون ثلاث قصص تحرك قساوة الأب الحبكة  فيها وهي تدور في ثلاثة قرون مختلفة في ثلاث قارات منفصلة في ثلاثة أنواع سينمائية. ما الذي يجذب هذه السينما المعاصرة في العقد الثاني من القرن الـ 21 لمواجهة حكم الأب؟ لم هذه العودة الى ذلك الماضي الكئيب وماذا يجدون فيه؟

 

قبل أن أتطرق الى التوقيت، أريد أن أشير الى التمثيل السينمائي لخلقة الأبطال بشكل يكشف حكم الأب والاعتراض عليه.

 

يبدأ كوارتون فيلمه "روما" مع مشهد بطول طبيعي يصف فيه طقس تنظيف على يد الخادمة كليو التي تعتبر "أم ثالثة" نوعا ما للولد الذي في الفيلم، ألفونسو.

 

موضوع التنظيف في البيت خاضع لسلطة الأب الذي يطلب أن تكون ساحة البيت نظيفة كل الوقت من براز كلب البيت الذي لا يكلف نفسه حتى بإخراجه للتنزه. والد العائلة عالم ذات سيرة مهنية ناجحة، يكثر من الرحلات الجوية في نطاق عمله، الأمر الذي يمنحه أعلوية اقتصادية ومنصب حاكم في بيته. وهكذا ورغم كونه حاضر غائب في حياة عائلته، قوانين البيت ومظاهر خلقة العائلة تتم حسب ارادته. هذا الفيلم الذي تدور أحداثه في السبعينات في المكسيك يصف كيف أن الأعمال الشاقة في العائلة تخضع لميزان القوى الأبوية والاستعمارية. يتهم الأب صوفيا، أم المنزل، بالاهمال في أداء مهمتها كصاحبة البيت في مراقبة تنظيف الساحة من براز الكلب. حسب رأيه هي "فاشلة" في إدارة شؤون البيت فتمثل للمحاكمة أمام الحاكم الاقتصادي للعائلة. الأم صوفيا التي ما زالت خاضعة لزوجها ولقوى الخلقة الذكورية تزعج الخادمة كليو وتصب عليها غضبها واحباطها بدلاً من مواجهة زوجها. اعتراض الأم على طغيان الأب يظهر في الفيلم فقط عندما يترك الأب البيت ويمارس ضدها عنفا قتصاديا واضحا. الأم صوفيا تضطر أن تصحو من مُثُل الزواج العليا، تدرك دور كليو كأم ثالثة لأولادها وتبدأ بفك الخلقة الذكورية التي تحكمت بحياتها من خلال اختيارات جديدة بدءاً من نوع السيارة العائلية وحتى ترتيب غرف أفراد البيت. كليو نفسها بطلة الفيلم من المفروض أن تعيش وفقا لقوانين خلقة محفوظة للطبقة الفقيرة لكن قواها الخاصة تتيح لها التمرد على قسم من قوانين النخب الذكورية وحماية استقلالها الداخلي.  

 

في فيلم "العهدة" للمخرج لغران، سيطرة الخلقة أو السجية الذكورية تنعكس من خلال لغة الجسد الصارمة لجوليان ابن الـ12 سنة الذي يجد نفسه أسير والده وجهاز قضائي يتغاضى عن احتياجاته. في العقد الثاني للقرن الـ21 يقوم لغران بتصوير فتى يتحول الى آلة يستخدمها الأب كوسيلة انتقام ويتصرف بجمود من خلال لغة جسم تم ترويضها للكبت الذكوري المفروض عليه. انتقال جوليان الفتى من عهدة الأب الى عهدة الأم خلافا لإرادته يعكس جهازا قضائيا معاصرا لا يمنح الفتى حق الاختيار مثل بلورة هوية ذكورية تليق به. يصف أوديار من خلال فيلمه الأنيق كيف أن طريق التحرر من ذكريات عنف الأب التي تسيطر عليك يمر من خلال تغيير عادات وتبني طقوس جديدة وهو يعطي لأحد اخوته، ايلي، الذي يطمح للعيش بشكل آخر، فرشاة أسنان ستحدد قوانين النظافة للرجل الجديد وكذلك هويته الذكورية الجديدة.

 

 

 

في الأفلام الثلاثة، العلاقات بين أفراد العائلة وتطوير هوية جندرية جديدة تحدث من خلال ما يسمى الصراع على تحديد الخلقة من جديد. ما هي الخلقة في الواقع؟ من قام بصقل مصطلح الخلقة في السياق الجندري هو المفكر وعالم الاجتماع بيير بورديو في كتابه "السيطرة الذكورية".

 

يصف بورديو كيف أن سيطرة النخب تنتقل عن طريق ادراكنا وأجسامنا، من خلال نشاطات وطقوس يومية نبطن فيها ثقافة الحاكم ونعتبرها هويتنا الطبيعية – أي الخلقة أو السجية. هو يدعي أننا بهذه الطريقة نفقد قدرتنا الدفاعية أمام النخب التي تحاول التحكم بنا وتنجح بتضليلنا.

 

في الأفلام الثلاثة المعاصرة، أبطال الفيلم يفتقدون للصوت المستقل أو للسيطرة التامة على مصيرهم ورغم ذلك يحاولون التصدي لوحشية الأسلوب البطريركي (الأبوي). يكتشفون على طول الفيلم قدرات شخصية لم يكونوا يعرفون عن وجودها. كليو من الفيلم "روما" تكتشف خلال الأزمة في حياتها الزوجية وفي حياة العائلة أن لديها قوى تركيز وبطولية خاصة. الفتى جوليان يصد والده الذي يطارده الى درجة الانهيار، ايلي الأخ البكر في فيلم " الأشقاء سيستز" الذي ضاق ذرعا من مديره الطاغي يسعى للتحرر من حكم مديره المرعب والتحول الى رجل جديد. ليس واضحا، الى حد ما، هل طريقة التصدي لحكم الأب متعلقة بشخصية الأبطال فقط أم أنها متعلقة أيضا بهوية البطريركية (النظام الأبوي) المتحولة من مكان الى مكان ومن زمان الى زمان.

 

ما مدى اختلاف أسلوب البطريركية بين الثقافات المختلفة؟ 

 

واذن، هناك فيلم مهم آخر تناول موضوع البطريركية في سينما القرن الـ 21، فيلم "الشريط الأبيض" للمخرج ميشيل هانيكي. في هذا الفيلم يتسم الشر بصفات سادية وله تأثير آخر على أبطال الفيلم.

 

هذا الفيلم الذي صدر في عام 2009 تناول التأثيرات الاجتماعية للتربية البطريركية في ألمانيا عشية الحرب العالمية الأولى. إن الخلفية الاجتماعية للفيلم "الشريط الأبيض" هي جهاز التربية والتعليم في أواخر القرن الـ 19 الذي يخضع بشكل حصري لنخب دينية واقتصادية، جميعها ذكورية طبعا.

 

ميشيل هانيكي هو مخرج نمساوي من مواليد عام 1942 يروي في فيلمه "الشريط الأبيض" قصة لغز اجرامي لعدة أحداث عنيفة تؤثر على قرية كاملة. العنف في الفيلم يبدو في البداية كسلسلة حوادث، ومع الوقت يتضح لنا أن الحديث يدور حول جرائم مخطط لها ووحشية تؤثر على جميع النواحي واللغز حول هوية المجرمين يزداد تعقيدا.

 

 

معلم القرية الذي يلعب دور الحاكي في الفيلم مقتنع اثر تحقيق أجراه أن أبناء الكاهن، تلامذته الأحباء، هم المبادرون الى هذه الجرائم. أولاد الكاهن هم في الواقع أبطال الفيلم الرئيسيون ونراهم على مدار الفيلم خاضعين بالأساس لارهاب جسماني وعاطفي من قبل والدهم المستبد.

 

لا يكلف هانيكي نفسه في توضيح الدافع الذي يقف وراء جرائم أولاد الكاهن، فبدلاً من ذلك هو يكتفي باعطاء وصف جاف للظروف الحياتية للأولاد في تلك الفترة: اهانات، تجويع، حرمان من الطعام، اعتداءات جنسية، جلد وأنواع تعذيب أخرى يتعرض لها الأولاد بشكل يومي على يد آبائهم أمام أمهات صامتات أو غائبات.

ماذا يحدث للأولاد الذي يمتصون هذه التربية ويستوعبونها؟  لقد صاغ هانيكي انتقادا حكيما على البطريركية في أوروبا في أوخر القرن الـ 19. يصف كيف أن هذا الموديل يصحو من جديد في توقيت تاريخي معين فينقلب السحر على الساحر عندما يقوم أبطال الفيلم بتكرار هذا العنف الذي تعرضوا اليه من آبائهم ضد سكان كل القرية.

 

في الفيلم "الشريط الأبيض" نحن نشاهد عنفا يوميا يتعرض اليه أطفال وفتيان يفتقدون للقدرة على التعبير ويتصرفون بأسلوب منسلخ عن أي عاطفة داخلية. إن استيعاب الثقافة الذكورية المسيطرة تعزل الأولاد عن أي تعبير عاطفي وعن القدرات العاطفية المتمثلة في سجيتهم من خلال لغة جسم مغلقة، كبت وهدوء نفسي زائف، كل هذا يدل، ظاهريا، على نجاح التربية الذكورية النخبوية الأوروبية. في عالم هانيكي حتى الأمهات لا تبدي رأفة كثيرة تجاه أولادهن فهن بليدات ويعانين حالة من البكم المنطفئ أو البكم المؤلم في أحسن الحالات. أمهات في ألمانيا في أوائل القرن الـ19 لم يقدرن بعد على توفير حماية حقيقية لأولادهن من العنف، كما ولم يقدرن على منحهم وجهة نظر مستقلة أو لغة انفرادية.

ولذلك، الفكرة الرئيسية لحكم الأب وتأثيراته في فيلم "الشريط الأبيض" تختلف عن الفكرة في الأفلام الثلاثة المعاصرة لكوارون، لغران وأوديار – حيث نجد في الأفلام الثلاثة أسلوب حياة آخر، أسلوب كنت لأسميه حياة في ظل بقايا العالم البطريركي.

 

 

الى أي مدى يختلف العنف الذي يتعرض اليه أبطال العالم الجديد والعصر الحديث وعصر ما بعد الحداثة من قبل آبائهم؟ وكيف يتجاوبون معه؟

 

الفيلمان "روما" و"العهدة" يعرضان قصصا حول أنواع التنكيل المختلفة من جهة الأب. فيلم "العهدة" يتحدث عن ارهاب جسماني يمارسه الأب ولا يتم الاعتراف به من قبل الجهاز القضائي الذي ينبذ الابن وأمه بين كابوس درامي وفيلم اثارة نسأل فيه متى ستصل الشرطة. في فيلم "روما"، العنف الاقتصادي من جهة الأب تجاه العائلة هو بمثابة طابو ولن تصل الشرطة لتحمي أفراد العائلة فيضطرون الى تطوير قوى غير مباشرة لتساعدهم على التحرر من الاضطهاد. في فيلم "روما" القدرة على مواجهة العنف الخارجي الذكوري متعلقة بتطوير وعي لأكاذيب الخلقة الذكورية ولطرق استجابتنا لها. في فيلم "الأشقاء سيسترز"، الطريق الذي اتخذه ايلي، الأخ البكر، للتحرر من العناء الداخلي يمر من خلال تبني طقوس جديدة تساعده على خلق هوية ذكورية ملائمة لاحتياجاته الحالية.

 

يواجه الأبطال في الفيلمين "روما" و"العهدة" حالات عنف ذكورية خفية غير قابلة للتشخيص. هذا النوع من العنف يظهر في مجتمع يزعم المساواة لكل مواطنيه وهكذا يقوم بتضليل ضحاياه. اليزابيث بادنطيار هي مؤرخة ومفكرة فرنسية تدعي في كتابها "نسوية بلا مخرج" أن البطريركية الكلاسيكية القديمة التي تنظر الى الأولاد والى النساء كممتلكات مباشرة للأب تم تبديلها فقط ولم يتم ابادتها من المجتمع الغربي. هل هذا تشخيص دقيق لها؟

هنالك وجه شبه مثير للقلق بين مظاهر العنف من قبل الأب تجاه ابنه في فيلم "العهدة" للمخرج كسابييه لغران وبين أسلوب العنف الذي يمارسه الأب الكاهن في الفيلم "الشريط الأبيض" للمخرج هانيكي. هل هذا صحيح؟

 

إن الأمر البارز في الفيلمين هو استغلال الأولاد بشكل عدواني قوي وغير مراقب، الى جانب مطلب الانصياع الأعمى في العلاقة بين الآباء والأبناء.

في الفيلم "الشريط الأبيض" هذا مطلوب باسم الله أما في فيلم "العهدة" فهذا مطلوب باسم مصلحة الولد.

 

المقطع الافتتاحي في فيلم "العهدة" يصف من خلال مشهد سينمائي طويل بلاغة اللغة القضائية الآنية التابعة لأحكام العائلة. يقوم لغران بطريقة مبسطة بارعة بوصف موازين القوى في العائلة حيث الأم فيها هي الراعية الرئيسية والأولاد الذين تعرضوا لعنف الأب يريدون الانفصال عنه وابعاده عن حياتهم. الجهاز القضائي يعطي أولوية لحق الأب بالأبوة من باب فرضية نفسانية أن هذا لصالح الولد أيضا. لا يوجد للولد حق للتعبير في المحاكمة ومن اللحظة التي لا يؤخذ صوته بالحسبان في النقاشات القضائية تبدأ الحبكة تزداد تعقيدا والخطر على حياة أفراد العائلة يزداد حدة.

 

 

تصدر المحكمة قرارا يجبر جوليان على معاودة الالتقاء بأبيه ويجب أن ينصاع لهذا الأمر من المحكمة. هذه الخطوة تعرض الابن من جديد لتلاعبات ولممارسات عنيفة من قبل الأب. رغم ذلك هنالك خطوط مختلفة في شخصيات الآباء في الفيلمين: في الفيلم "الشريط الأبيض" يظهر الأب كمضطرب العقل بينما الأب في فيلم "العهدة" يبدو انسانا محطما.

لغران يروي عن شخصية أب عالق في أزمة نفسية صعبة لا يتلقى علاجا ولا من أي جهة اجتماعية. جهاز القضاء المعاصر في فرنسا يهمل الفتى ولا يوفر له أدوات دفاعية حقيقية. رغم تهديدات الأب على حياته إلا أن جوليان لا يملك طريقة يهرب من خلالها من العنف القاسي الممارس ضده. الطريقة الوحيدة التي يحاول جوليان حماية نفسه من خلالها هي الالتزام بالصمت، كأن يجمد نفسه وأن يخفي نفسه حتى لا يعرض الأم والأخت لسخط الأب.

 

لذا، هذا الفيلم يسعى الى كشف الثمن الذي يدفعه الأولاد في مجتمع ما زال يفضل حق الأب على سلامة الولد.

 

في الأفلام الثلاثة يعيش الأبطال في واقع فيه مهمة تربية الأولاد تحدث في الفلكة النسائية إلا أن قيمتها مهمشة ولا يوجد مقابل اقتصادي كامل لها.

ماذا يحدث في عائلات ما زالت تربية الأولاد فيها مركزة بيد النساء؟ من يدفع ثمن النكران لهذه المهمة؟

 

"روما"، الفيلم الذي يركز على سنوات الـ 70، يسلط الضوء على العبودية الاقتصادية بحق الأمهات. الأب أنطونيو هو كما أسلفنا المعيل الرئيسي في عائلة يعمل فيها ما لا يقل عن أربع نساء في أعمال واضحة تتعلق بتربية ورعاية الأولاد الأربعة.

 

صوفيا الزوجة والأم هي امرأة بيضاء من أصل أوروبي حاصلة على ثقافة علمية جيدة هُمشت لأجل المشروع العائلي لانشاء أولاد ناجحين في مجتمع رأسمالي,

 

الجدة، والدة الأم، تساعدها في استيعاب النظام الاجتماعي المسيطر لمبادئ العقلانية التي تشمل سيطرة ذاتية وانجازات في بيئة رأسمالية. بالاضافة لذلك، ليس مفاجئا أن الخادمتين والعاملتين في هذا البيت اللواتي يقمن بالعمل الشاق في تربية الأولاد هن من البيض.

 

 

يختار كوارون الخادمة كليو كشخصية رئيسية في الفيلم.

ما القوى التي تميز هذه البطلة؟ لم الأم الثالثة بالذات اختيرت لتكون البطلة الرئيسية؟

من هي كليو؟

كليو هي شخصية الأم الطبيعية التي توفر إحدى أكثر الأساطير المرغوب فيها في حب الأم. يقوم كوارون بقلب النظام الاجتماعي ويعرض هذه الخادمة الفقيرة كأم بطلة ذات قوى خارقة. كليو، على نقيض باقي الشخصيات البورجوازية في الفيلم، تسبر غور التعاطف الانساني. هذه المقدرة البدهية تمكنها من اظهار قوى تركيز ادراكي خفية ومن الحاق الهزيمة حتى برجال محاربين. لكن بالأساس صد الادراك الكاذب للخلقة الذكورية المحبطة والقيام بعملها بطريقتها. بالاضافة لذلك، يقوم كوارون بمنح شخصية كليو قدرات تحكم روحانية وكأنها تتجلى صدفة كما في المشهد الذي تصل فيه كليو لمواجهة حبيبها. تجد نفسها عالقة وسط جمهور يشاهد محاربين من ضمنهم حبيبها ووالد طفلتها التي تحملها في رحمها. المحاربون الذين أظهروا قدراتهم الحربية ينتظرون خطاب سيدهم.

السيد الكبير يطلب من تلامذته الوقوف في وضعية تختبر قدرتهم على التركيز. كليو الحامل تنجح بشكل طبيعي بتنفيذ هذه الحركة في حين يفشل كل المحاربين في ذلك. نجاحها الاستثنائي هذا وكأنه ليس ملحوظا من قبل الجمهور من حولها هو ما يمنحها لقب بطلة خارقة شفافة. في الواقع، كليو، ليس مثل الأمهات الأخريات في العائلة، هي لا تحتاج الى تحرر ادراكي من حكم الأب. صوفيا، الأم الأولى وشخصية ثانوية مهمة في الفيلم، تعيش تجربة هجران مؤلمة تعزز من قوتها وتبدأ في نهاية الفيلم تختار كيف تريد أن تتواصل، نوع سيارتها، كيف تنظف البيت، كيف ترتب البيت والاعتراف بقيمة الخادمة كليو كبطلة وشريكة في مهمة الأمومة.

الفيلم "الأشقاء سيسترز" يحكي قصة بطل يمر بأزمة منتصف العمر حيث يقوم بمواجهة ارث سجيته وينجح في التقدم نحو اختيارات جديدة تشمل قوانين نظافة على شكل فرك أسنان، الاصغاء لمومس طيبة القلب أو خرق الثقة بينه وبين سيده المستبد. كل هذه الأمور تمهد له الطريق للعودة الى البيت، الى المزرعة التي نشأ فيها، والى أمه.

 

حتى لو كانت هذه صدفة، فإن هذه الأفلام الثلاثة صدرت في أواخر العشرينات من القرن الـ 21. لذا، هناك قوة متراكمة للخطاب المدوي بين الأفلام الثلاثة حول خطورة حكم الأب الحاضر في ثقافاتنا والذي ما زال ينشط في الواقع ولو كان بشكل خفي أكثر.

 

من جهاز قضائي معاصر زائف بعدالته يتنكر لحق الأولاد والفتيان في الاختيار، كما في فيلم "العهدة"، استمرارا بعدم الاعتراف بالحقوق الاقتصادية للأولاد وأمهم في الفيلم "روما" وحتى محيط عمل يمحو احتياجات الرجل الجديد كما نرى في الفيلم "الأشقاء سيسترز" – هذه ثلاثة أفلام تجلب الى السينما أشكالا جديدة للرجولة والأنوثة، لموازين القوى بين الأب، الأم والأولاد وهي تكشف النقاب عن الأمهات من خلال قوى الخلقة والسجية التي تحركنا.

ا